أحمد بن ابراهيم النقشبندي

57

شرح الحكم الغوثية

الرابع : اليقين ؛ وهو الاعتقاد الجازم بأن ما أخبر اللّه به ورسوله حقّ لا شك فيه على وجه ، يستولي ذلك على قلب السالك ، ويصير له كالعيان ، فيعلم حالا وذوقا أن اللّه عزّ وجل ما خلقه وسائر الجن والإنس إلّا ليعبدوه ، فلم يخلق له الحواس إلّا ليصرفها في الطاعة ، ولم يخلق له القلب إلّا ليجعله موضعا لذكره ، ولا يشغله بسواه . فمن حصل له اليقين الذوقي على هذا الأسلوب لم يصرفه اللسان إلّا في ذكره ، ولم يصرف الآذان إلّا في سماع كلامه ، وكلام رسوله ، وكلام أوليائه ، وكل شيء يوصله إلى مولاه ، ولم يصرف بصره إلّا فيما ينفعه ويرشده إلى الطريق ، وهكذا يحاسب نفسه في جميع النعم التي أنعم المولى بها عليه حتى يجوز مقام الشكر الذي هو صرف العبد جميع ما أنعم به عليه لما خلق لأجله ، فيستوجب المزيد كما قال اللّه سبحانه وتعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] .

--> فيه ، ومن يتوكّل على اللّه البصير في كشف العمى عنه ، وإراءة الطريق الموصّل إليه ، وهو الهدى الذي يحصل نوره في قلبه ، فيفرّق به بين الحق والباطل ؛ فهو حسبه فيه ، ومن يتوكّل على اللّه السميع في حصول السمع له حتى يسمع خطابات عالم الملك ، والملكوت ، والجبروت ، واللاهوت ؛ فهو حسبه فيه ، ومن يتوكّل على اللّه المتكلّم في إعطاء القدرة له في التكلّم حتى يتكلّم من جميع المراتب ، ويحصل من جانبه الهداية لجميع أرباب المطالب ؛ فهو حسبه . ومن يتوكّل على اللّه الحي في قتل نفسه ، وإحياء قلبه حتى يجد حياة طيبة باقية ؛ فهو حسبه فيه ، ومن يتوكّل على اللّه الحكيم في حصول الحكمة العظمى لقلبه ، وجريان ينابيعها في باطنه ، وجريان الرحيق ، والنسيم ، والسلسبيل ، والكوثر في الجنة ؛ فهو حسبه فيه ، ومن يتوكّل على اللّه الهادي في أمر ضلّ فيه ، فلم يهتد ، ولم يجد لدفع خيرته سبيلا ؛ فهو حسبه فيه ، ومن يتوكّل على اللّه الرشيد في أمر إرشاده إلى أمره ، ولو بلا واسطة ؛ كأمر أويس القرني ؛ فهو حسبه فيه ، ومن يتوكّل على اللّه الباقي في إفناء وجودياته ، وإزالة تعيناته ؛ فهو حسبه فيه ، وهكذا فمن اكتفى باللّه ؛ كفاه اللّه في كل مؤنته ، ودفع عنه كل ضرورته . وانظر : مرآة الحقائق ( ص 404 ) بتحقيقنا .